الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
307
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إنما هو فرّت من قسورة . فقال : أفرّت ؟ قلت : نعم ، قال : فمستنفرة إذن فكسر الفاء . و قَسْوَرَةٍ قيل هو اسم جمع قسور وهو الرامي ، أو هو جمع على خلاف القياس إذ ليس قياس فعلل أن يجمع على فعللة . وهذا تأويل جمهور المفسرين عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وغيرهما فيكون التشبيه جاريا على مراعاة الحالة المشهورة في كلام العرب . وقيل : القسورة مفرد ، وهو الأسد ، وهذا مروي عن أبي هريرة وزيد بن أسلم وقال ابن عباس : إنه الأسد بالحبشية ، فيكون اختلاف قول ابن عباس اختلافا لفظيا ، وعنه : أنه أنكر أن يكون قسور اسم الأسد ، فلعله أراد أنه ليس في أصل العربية . وقد عدّه ابن السبكي في الألفاظ الواردة في القرآن بغير لغة العرب في أبيات ذكر فيها ذلك ، قال ابن سيده : القسور الأسد والقسورة كذلك ، أنثوه كما قالوا : أسامة ، وعلى هذا فهو تشبيه مبتكر لحالة إعراض مخلوط برغب مما تضمنته قوارع القرآن فاجتمع في هذه الجملة تمثيلان . وإيثار لفظ قَسْوَرَةٍ هنا لصلاحيته للتشبيهين مع الرعاية على الفاصلة . [ 52 ] [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 52 ] بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً ( 52 ) إضراب انتقالي لذكر حالة أخرى من أحوال عنادهم إذ قال أبو جهل وعبد اللّه بن أبي أمية وغيرهما من كفار قريش للنبي صلى اللّه عليه وسلم : لا نؤمن لك حتى يأتي إلى كل رجل منا كتاب فيه من اللّه إلى فلان بن فلان ، وهذا من أفانين تكذيبهم بالقرآن أنه منزل من اللّه . وجمع ( صحف ) إما لأنهم سألوا أن يكون كل أمر أو نهي تأتي الواحد منهم في شأنه صحيفة ، وإمّا لأنهم لما سألوا أن تأتي كل واحد منهم صحيفة باسمه وكانوا جماعة متفقين جمع لذلك فكأنّ الصحف جميعها جاءت لكل امرئ منهم . والمنشّرة : المفتوحة المقروءة ، أي لا نكتفي بصحيفة مطوية لا نعلم ما كتب فيها و مُنَشَّرَةً مبالغة في منشورة . والمبالغة واردة على ما يقتضيه فعل ( نشر ) المجرد من كون الكتاب مفتوحا واضحا من الصحف المتعارفة . وفي حديث الرجم فنشروا التوراة . [ 53 ] [ سورة المدثر ( 74 ) : آية 53 ] كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ ( 53 ) كَلَّا إبطال لظاهر كلامهم ومرادهم منه وردع عن ذلك ، أي لا يكون لهم ذلك .